تعكس كثافة معالم بنزرت ونموذجيتها مختلف التحولات التي تعرض لها النسيج المعماري للمدينة على مدى ثلاثين قرنا من التاريخ. ذلك أن بنزرت التي تقاذفتها أمواج التاريخ, قد شهد معمارها وأهم معالمها تشكلا تجدد عدة مرات, إذ أنها دمرت مرات متتالية وأعيد بناؤها على أنقاض المباني السابقة, ثم رجعت إليها الحياة من جديد كل مرة بمناسبة أي تحول تاريخي.

  لكن, لئن احتفظت بنزرت بموقعها الأصلي، فإن حياتها الحضرية قد شهدت ثلاث فترات كبرى. امتدت الفترة الأولى في العصور القديمة, وتزامنت مع مرحلة أولى من الاستقرار في العهد البوني, ثم مرحلة ثانية من إعادة التشكل في عهد الرومانيين والبيزنطيين. وبدأت الفترة الثانية الكبرى مع ارتقاء الأسر الحاكمة العربية إلى السلطة وتواصلت في العهد التركي. أما الفترة الثالثة فيعود تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والقرن العشرين. وقد شهدت بنزرت عهدئذ بناء ميناء تجاري وعسكري كبير, وانتصاب جالية أوروبية وافرة العدد.

  المدينة العتيقة:

أحد أزقة المدينة العتيقة

صورة فنية للمدينة العتيقة

  تبدو المدينة العتيقة في هيئة مدينة مشرقية محاصرة بسور سميك، ومحاطة من كل جانب بمجار مائية متعددة. ولها منازل منخفضة ذات سطوح متلاصقة حسب نظام خاص . أما أرصفتها حيث يلتقي الناس، وتستقبل منتجات البحر، فإنها تنشط المدينة وتضفي عليها تلك الحركية التي تمتاز بها المدن البحرية .

  هذا وتقع المنطقة المركزية في أنسب الأماكن على أرصفة المرسى القديم، وهي تجمع بين المسجد الرئيسي (الجامع الكبير) وأهم الزوايا (سيدي المسطاري وسيدي أحمد التيجاني) وأجمل سبيل (عين الجرينة) وأكبر الأسواق (العطارين والحدادين) والحمام الكبير وحمام الشاطئ  مما يضفي على المدينة طابعها المعلمي.  ورغم أعمال الهدم العديدة والتغييرات المختلفة ، فإن المدينة العتيقة قد احتفظت ببنية تقليدية يرجع تاريخها إلى العهد الوسيط.

  قلعة القصبة:

قلعة القصبة

   تبدو هذه القلعة, التي تعلو الضفة الشمالية للقنال المفضي إلى المرسى القديم، في شكل مستطيل منتظم بدقة, وهي مشيدة فوق قطعة أرض شبه منبسطة. وحيث يتعلق الأمر بمنشأة دفاعية, فإن سورها لا يحتوي إلا على باب واحد مكوع على واجهتها الغربية التي تربط مباشرة بينه وبين أقدم نواة لمدينة بنزرت: ألا وهي المدينة العتيقة. ويقع الربط في ساحة عمومية تدعى "رحبة الفحم" وهي إحدى ساحات بنزرت الأشد ازدحاما والأكثر شعبية.

  وهذه القلعة الضخمة محصنة بثمانية أبراج, وهي عبارة عن أجزاء مربعة ومستطيلة الشكل, ويقع كل برج في زاوية من زوايا القلعة: واحد في الجدار الغربي واثنان في الجدار الشمالي وواحد في الجدار الشرقي, وهناك مسلك دائري مهيأ في أعلى السور خلف الجدران الحاجزة, يسمح للحرس بالجولان على الواجهات الثلاث, الشمالية والشرقية والغربية.

   معقل القصيبة:

معقل القصيبة

  للدفاع عن مدخل الضفة الجنوبية لقنال المرسى القديم, أقام البيزنطيون معقلا يتركب من برج ضخم مستطيل الشكل, يحتوي على قاعة كبرى للحراسة مربعة الشكل, مغطاة بأربع قباب عتيدة مضلعة مستندة إلى عمود مركزي ضخم مربع المقطع. وتوجد قاعتان صغيرتان ملحقتان بالقاعة الكبرى, مخصصتان لاستراحة أعوان الحراسة, وقاعتان مماثلتان تقعان في الطابق الأول, كما توجد مجموعة من الحجرات الضيقة تفتح على ساحة داخلية.هذا وإن التمعن في تفاصيل الهندسة المعمارية، وفي استعمال الأقواس ذات الأصل العربي, والمواد  المستخدمة وتداخل البناء, يقودنا إلى التفكير في كون تلك الحجرات قد أضافها العرب إلى البرج البيزنطي الأصلي، خلال القرن التاسع أو العاشر للميلاد, وبافتراض أن تكون الجيوش العربية قد حولت البرج إلى رباط, وأضافت إليه الحجرات لإيواء الحرس أو لخزن المواد الغذائية والأسلحة.

  أما البرج المستدير الذي يمثل الجزء الأمامي من الجهاز الدفاعي عن مدخل المرسى القديم, فهو مرتبط بالبرج البيزنطي المستطيل الشكل بواسطة جدار مطوق بدرب الحراسة يصل بين البرجين.

   حصن إسبانيا:

الحصن الإسباني

  تعلو قمة ربوة "الكدية" قلعة كبيرة تسمى بالحصن الاسباني, ويبدو أن التسمية غير المناسبة في الواقع تنسب بناء هذا الحصن إلى الاسبانيين الذين احتلوا المدينة من جوان – جويلية 1535م إلى سبتمبر 1573م. وفي الحقيقة أن باشا الجزائر العلج علي هو الذي أمر ببناء هذا الحصن في سنة 1570م حسب أمثلة وضعها المهندس الصقلي الذي رسم أيضا أمثلة حصون مدينة الجزائر.إلا أن العلج علي لم يسعه الوقت لإتمام عمله إذ طردته في سبتمبر 1578م القوات الاسبانية بقيادة "دون جوان" النمساوي. وسيتم الأسبان بناء البرج وينسبونه إليهم. ويظهر حصن إسبانيا في شكل نجمة ذات خمس أذرع , ولأسباب دفاعية واضحة لا يحتوي على غير باب واحد, يسمح له موقعه الممتاز بالأشراف على المدينة وميناؤها والدفاع عنها بالمدافع المنصوبة فوق أسواره المنيعة.

   الأسواق العتيقة:

  تتمركز مختلف الأنشطة التجارية والحرفية حول الميناء القديم فهنالك توجد مختلف الأسواق المنظمة حسب اختصاصاتها, وهي سوق الجزارين وسوق الزنايدية (صانعي الأسلحة) وسوق الحدادين وسوق النجارين وسوق العطارين وسوق الثمار والخضر.